فخر الدين الرازي

62

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الحكم الأول أن النكرة في موضع النفي تفيد العموم ، والدليل عليه هذه الآية فإن قوله : ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ نكرة في موضع النفي فلو لم تفد العموم لما كان قوله تعالى : قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى إبطالا له ، ونقضا عليه ، ولو لم يكن كذلك لفسد هذا الاستدلال ، ولما كان ذلك باطلا ، ثبت أن النكرة في موضع النفي تعم . واللَّه أعلم . الحكم الثاني النقض يقدح في صحة الكلام ، وذلك لأنه تعالى نقض قولهم : ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ بقوله : قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى فلو لم يدل النقض على فساد الكلام لما كانت حجة اللَّه مفيدة لهذا المطلوب . واعلم أن قول من يقول : إبداء الفارق بين الصورتين يمنع من كون النقض مبطلا ضعيف ، إذ لو كان الأمر كذلك لسقطت حجة اللَّه في هذه الآية لأن اليهودي كان يقول معجزات موسى أظهر ، وأبهر من معجزاتك ، فلم يلزم من إثبات النبوة هناك إثباتها هنا ، ولو كان الفرق مقبولا لسقطت هذه الحجة ، وحيث لا يجوز القول بسقوطها علمنا أن النقض على الإطلاق مبطل واللَّه أعلم . الحكم الثالث تفلسف الغزالي فزعم أن هذه الآية مبنية على الشكل الثاني من الأشكال المنطقية ، وذلك لأن حاصله يرجع إلى أن موسى أنزل اللَّه تعالى عليه شيئا وأحد من البشر ما أنزل اللَّه عليه شيئا ينتج من الشكل الثاني : أن موسى ما كان من البشر ، وهذا خلف محال ، وليست هذه الاستحالة بحسب شكل القياس ، ولا بحسب صحة المقدمة الأولى ، فلم يبق إلا أنه لزم من فرض صحة المقدمة الثانية ، وهي قولهم : ما أنزل اللَّه على بشر من شيء ، فوجب القول بكونها كاذبة ، فثبت أن دلالة هذه الآية على المطلوب ، إنما تصح عند الاعتراف بصحة الشكل الثاني من الأشكال المنطقية ، وعند الاعتراف بصحة قياس الخلف . واللَّه أعلم . [ قوله تعالى نُوراً وَهُدىً إلى قوله ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ ] واعلم أنه تعالى لما قال : قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى وصف بعده كتاب موسى بالصفات . فالصفة الأولى : كونه نورا وهدى للناس . واعلم أنه تعالى سماه نورا تشبيها له بالنور الذي به يبين الطريق . فإن قالوا : فعلى هذا التفسير لا يبقى بين كونه نورا وبين كونه هدى للناس فرق ، وعطف أحدهما على الآخر يوجب التغاير . قلنا : النور له صفتان : إحداهما : كونه في نفسه ظاهرا جليا ، والثانية : كونه بحيث يكون سببا لظهور